سيد محمد طنطاوي

307

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : والمعنى : إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها ، أصبتم الحق ، وتخلصتم من الباطل - ، وهي : أن تقوموا لوجه اللَّه خالصا ، متفرقين اثنين اثنين ، وواحدا واحدا ، * ( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) * في أمر محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وما جاء به . أما الاثنان : فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه ، وينظران فيه متصادقين متناصفين ، لا يميل بهما اتباع هوى ، ولا ينبض لهما عرق عصبية ، حتى يهجم بهما الفكر الصالح ، والنظر الصحيح على جادة الحق . وكذلك الفرد : يفكر في نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ، ويعرض فكره على عقله وذهنه ، وما استقر عنده من عادات العقلاء ، ومجاري أحوالهم . والذي أوجب تفرقهم مثنى وفرادى ، أن الاجتماع مما يشوش الخواطر ، ويعمى البصائر ، ويمنع من الروية ، ويخلط القول . ومع ذلك يقل الإنصاف ويكثر الاعتساف : ويثور عجاج التعصب « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) * كلام مستأنف جيء به لتنزيه ساحته صلى اللَّه عليه وسلَّم عما افتراه عليه المفترون من كونه قد أصيب بالجنون . أي : اجتمعوا اثنين اثنين ، أو واحدا واحدا ، ثم تفكروا بإخلاص وروية فترون بكل تأكيد أن محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ليس به شيء من الجنون ، إنما هو أرجح الناس عقلا ، وأصدقهم قولا ، وأفضلهم علما ، وأحسنهم عملا ، وأزكاهم نفسا ، وأنقاهم قلبا ، وأجمعهم لكل كمال يشرى . وقوله - تعالى - * ( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) * بيان لوظيفته صلَّى اللَّه عليه وسلم أي : ليس به صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من جنون ، وإنما هو نذير لكم ، يحذركم ويخوفكم من العذاب الشديد الذي سينزل بكم يوم القيامة ، إذا ما بقيتم على شرككم وكفركم ، وهذا العذاب ليس بعيدا عنكم . قال الإمام ابن كثير : قال الإمام أحمد : حدثنا بشير بن المهاجر ، حدثني عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال : خرج علينا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يوما فنادى ثلاث مرات فقال : « أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم » ؟ قالوا : اللَّه ورسوله أعلم فقال : « إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم خافوا عدوا يأتيهم . فبعثوا رجلا يتراءى لهم ، فبينما هو كذلك أبصر العدو ، فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه ، فأهوى بثوبه وقال : أيها الناس أوتيتم . أيها الناس أوتيتم . . . «

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 590 .